التكنولوجيا الصينية تفك طلاسم "البحيرة المقدسة".. 8 سنوات من التنقيب تكشف أسراراً جديدة في معبد مونتو بالأقصر
ما يميز هذا الاكتشاف هو الأسلوب العلمي الذي تم اتباعه، حيث لعبت التكنولوجيا الصينية دوراً محورياً في نجاح أعمال البعثة. ففي أعمال التنقيب بمنطقة البحيرة المقدسة، استخدم الفريق أداة "مجرفة لويانغ" (Luoyang Spade)، وهي أداة تقليدية طُورت بشكل فريد في علم الآثار الصيني، وتتيح تحديد الصخور المدفونة والجدران والسلالم والبقايا المعمارية بدقة متناهية قبل البدء في الحفائر الفعلية. وأوضح محمد عبد البديع، رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، أن هذه الأساليب الحديثة "قللت المخاطر، ووفرت الوقت، وساعدت في توجيه استراتيجيات الحفر"، مشيراً إلى أن الفريق الصيني أدخل تطبيقات رقمية متقدمة، من بينها أدوات التصوير المجسم (الفوتوغرامتري)، التي حسنت بشكل كبير دقة عمليات التوثيق. وأضاف عبد البديع في تصريحات خاصة: "في حين كانت الطرق التقليدية تتطلب في السابق التقاط ما بين 2000 إلى 3000 صورة في ظروف بيئية متطابقة وهو أمر شبه مستحيل بسبب تغير توقيتات أشعة الشمس والرياح، فإن التطبيقات الحديثة أتاحت إعداد نماذج ثلاثية الأبعاد ورسومات مقاسة بدقة وكفاءة أعلى بكثير".
لم يكن الطريق إلى هذا الاكتشاف سهلاً، فقد واجهت البعثة تحديات جيولوجية كبيرة تمثلت في طبقات الطمي، والطبيعة الصخرية للأرض، وتفاوت منسوب المياه الجوفية، فضلاً عن اختلاف تركيب التربة ومستويات الرطوبة داخل الأقصر، الأمر الذي تطلب اتباع أساليب عمل خاصة ومناسبة لكل حالة. من جانبها، قالت هند علي، كبير مفتشي معبد مونتو وعضو البعثة من الجانب المصري، إن هذا الاكتشاف يُعد أمراً نادراً وتتويجاً للعمل الشاق الذي قامت به البعثة المشتركة على مدار ثماني سنوات، وأضافت: "بدأنا بكومة كبيرة من الرمال والأتربة، واليوم يمكنكم رؤية ثمار عملنا المشترك؛ هذه البحيرة المقدسة الجميلة والعظيمة التي ستفتح آفاقاً جديدة لمزيد من الأبحاث والاكتشافات في المستقبل القريب". وأشارت إلى أن الفريق المشترك نجح بعد مواجهة بعض التحديات البسيطة في البداية بسبب اختلاف الخلفيات البحثية في التوصل إلى منهجية ناجحة وتطبيق تقنيات متقدمة للعمل بانسجام.
لم يقتصر العمل على البحيرة المقدسة فحسب، بل أسفرت أعمال التنقيب في منطقة المقصورة الأوزيرية عن الكشف عن ثلاث مقصورات مكرسة للإله أوزيريس، مع العثور على عشرات التماثيل الصغيرة المصنوعة من مواد مختلفة، وأدوات مرتبطة بعبادته، بالإضافة إلى بقايا فكوك أبقار وأحجار معاد استخدامها تعود إلى العصر المتأخر (747–332 قبل الميلاد). ويرى جيا شياوبينغ أن هذه الاكتشافات تقدم أدلة جديدة تساعد على إعادة بناء تاريخ مدينة طيبة خلال الفترة التي شهدت قوة وتأثير المعابد الدينية في الأسرتين الخامسة والعشرين والسادسة والعشرين. أكد محمد عبد البديع أن التعاون كان متبادلاً بين الجانبين، حيث شارك علماء الآثار المصريون خبراتهم في علم المصريات والعمل الميداني مع نظرائهم الصينيين، وفي المقابل سافر الخبراء المصريون إلى الصين لتلقي التدريب العملي على أحدث التقنيات، وأضاف: "كانت النتيجة تبادلاً حقيقياً للخبرات، وليس نقلاً أحادي الجانب". وشدد المسؤول المصري على أن نجاح البعثة يعكس فلسفة أوسع مفادها أن التعاون بين مصر والصين أمر حتمي تدفعه مكانة حضارتين عريقتين عظيمتين، مؤكداً أنه في عالم يتسم بالصراعات والإقصاء، فإن "لغة الثقافة والتاريخ" أثبتت أنها أكثر دواماً من لغة العنف.
يقع موقع معبد مونتو في الجزء الشمالي من مدينة الأقصر، ويغطي مساحة تقدر بنحو 106 آلاف متر مربع، نحو 24 ألف متر مربع منها داخل أسوار المعبد. ومنذ انطلاق أول بعثة أثرية مشتركة بين الصين ومصر عام 2018، نجح الفريق في تنفيذ أعمال حفر وتنقيب شملت مساحة تُقدّر بنحو 2300 متر مربع، مع تحقيق نتائج متواصلة جعلت الموقع الأثري أكثر وضوحاً للباحثين والزوار على حد سواء. وتتجه الأنظار حالياً إلى استكمال أعمال الحفائر والدراسات المستقبلية، خاصة مع استمرار تأثير المياه الجوفية الذي حال دون استكشاف الأساسات الإنشائية للبحيرة بشكل كامل، مما يعني أن تحديد تاريخ بنائها الأصلي سيحتاج إلى المزيد من العمل والدراسة في المواسم المقبلة.