شعار صوت القضية
صوت القضية
صحفيون من أجل فلسطين
من “ملاذ أثرياء العالم” إلى “انهيار معلن”.. هل تنهار دبي تحت وطأة الصواريخ؟

من “ملاذ أثرياء العالم” إلى “انهيار معلن”.. هل تنهار دبي تحت وطأة الصواريخ؟

صوت القضية/ تقرير – خاص

حين كانت ناطحات السحاب في دبي تلامس الغيوم رمزاً للاستقرار، وحين كان أثرياء العالم يصطفون لشراء جزر اصطناعية وقصور على البحر، كان هناك معركة أخرى لا تقل ضراوة تدور في كواليس الثقة. جنودها ليسوا جنوداً ببنادق، بل مستثمرون خائفون وسماسرة يترقبون لحظة الانهيار.

لكن الصدمة التي تتبلور ملامحها اليوم في سوق دبي العقاري تشير إلى أن “الطعنة” لم تأتِ من تصريحات رسمية أو أرقام حكومية، بل من صواريخ وطائرات مسيّرة وصل حطامها إلى قلب العاصمة الاقتصادية. ففي 21 يوماً فقط، تحول “ملاذ أثرياء العالم” إلى ساحة انتظار معلقة على إشارة حمراء، وكشفت الشظايا أن “صورة الأمان” التي بيعت للمستثمرين لعقدين لم تكن سوى وهم تسوقه كتيبات التسويق العقاري.

من “الملاذ الآمن” إلى “منطقة صواريخ”: 21 يوماً غيرت كل شيء

في الوقت الذي كان فيه أثرياء العالم يهرعون إلى دبي هرباً من الحروب، كان المستثمرون يدفعون الملايين مقابل شقق في برج خليفة ومنازل في نخلة جميرا. لكن الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران التي اندلعت أواخر فبراير 2026، وهجمات طهران على إسرائيل وقواعد أمريكية ودول خليجية، جعلت من دبي “رقعة شطرنج” في صراع إقليمي لا يعرف الحدود.

لم تصل الصواريخ إلى برج خليفة، لكن طائراتها المسيّرة فعلت. ففي مشاهد صادمة وثقتها وكالة رويترز، أعلنت سلطات دبي في 11 مارس سقوط طائرتين مسيّرتين قرب مطار دبي الدولي، ما أدى إلى إصابة 4 أشخاص بينهم جنسيات غانية وبنغلاديشية وهندية. وفي 16 مارس، اندلع حريق نتيجة هجوم بطائرة مسيّرة قرب المطار نفسه، ما أدى إلى تعليق مؤقت للرحلات الجوية قبل عودتها للطبيعية.

المدافع لم تدوِ فقط في محيط دبي، بل تركت شظاياها على واجهة “ملاذ الأمان”. والأسوأ أن الخطر لم يأتِ من العدو المعلن فقط، بل من شرخ في الصورة كان يمكن أن يبقى طي الكتمان لولا أن الشظايا كشفت أن لا أحد في هذه المنطقة محصن من النار.

الأرقام التي لا تكذب: معاملات تنزف وأسهم تتداعى

بعد مرور 21 يوماً على الحرب، بدأت بوادر الانهيار تطل برأسها. الأرقام التي رصدتها وكالة رويترز وبيانات غولدمان ساكس لا تكذب: وفقاً لتقديرات غولدمان ساكس، انخفضت أحجام المعاملات العقارية في الإمارات بنسبة 37% على أساس سنوي و49% على أساس شهري في أول 12 يوماً من مارس.

كما أظهرت بيانات مؤشر دبي المالي تراجعاً حاداً. فبحسب رويترز، هبط سهم “إعمار العقارية”، الشركة المطورة لبرج خليفة، بنسبة تجاوزت 26% في بورصة دبي منذ بدء الحرب. وفي تقارير أخرى، قدرت إنفستنغ دوت كوم النسبة بنحو 40%.

لكن التحذير الأكثر قسوة جاء من محللي سيتي بنك، الذين نقلت رويترز عنهم قولهم إن الحرب أدخلت “خطراً كبيراً” على توقعات النمو السكاني في دبي، حيث خفضوا توقعاتهم إلى 1% فقط هذا العام، مقارنة بـ4% في السنوات الماضية. وفي السيناريو الأكثر تشاؤماً، توقعوا انخفاض أسعار العقارات بمتوسط 7% سنوياً بين عامي 2026 و2028.

تخفيضات صامتة وهروب من تحت الطاولة

في كواليس المكاتب العقارية، بدأت تتردد همسات عن تخفيضات غير معلنة. تقرير لـ رويترز نقلاً عن وكلاء عقاريين تحدث عن تخفيضات تتراوح بين 12-15% في بعض الوحدات. فبحسب رسالة اطّلعت عليها رويترز، عُرضت شقة قرب برج خليفة للبيع بسعر 650 ألف دولار، بانخفاض 12% عن سعرها السابق البالغ 735 ألف دولار “بسبب الوضع الحالي”. وفي نخلة جميرا، عُرضت شقة على الخريطة بخصم 15% ليصل سعرها إلى نحو 2 مليون دولار، وفقاً لرسالة على واتساب اطّلعت عليها الوكالة.

شهادات من قلب الزلزال: “نحن عاطلون عن العمل”

في تقارير مطولة نقلتها رويترز، تحدث وكلاء عقاريون عن واقع السوق. وسيط عقاري تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته قال إن المعاملات تراجعت بشكل حاد، مشيراً إلى أن المشترين في حالة ترقب.

إمران شيخ، رئيس شركة بلاك أوك للاستثمار العقاري، قال لـ رويترز: “البيانات تحكي قصة واضحة، المعاملات لم تتوقف. لدينا عميل من أفريقيا يقول: إذا رأيت أي فرص خلال الشهر المقبل، تفضل واشتري”.

هيمنشو خاندوال، الرئيس التنفيذي لشركة أساس كابيتال، أكد لـ رويترز أن “هناك العديد من المستثمرين الذين يتصلون بنا ليسألوا إذا كان لدينا عملاء يريدون البيع بسعر مخفض، ويقولون: نحن مستعدون للشراء”، مشيراً إلى عملاء إماراتيين ومكاتب عائلات هندية.

أما توفيق خان، رئيس شركة دوغاستا العقارية، فقال لـ رويترز: “في الوقت الحالي، لا نشهد تخفيضات واسعة النطاق، حيث يظل معظم المشترين مركزين على القيمة طويلة الأجل بدلاً من التقلبات قصيرة الأجل”.

صفقات كبرى رغم الحرب: استثناءات أم مؤشرات؟

رغم التخفيضات والتراجع، لا تزال بعض الصفقات الكبرى تُبرم. فبحسب بلومبرغ و رويترز، تم بيع وحدة فاخرة بقيمة 25 مليون دولار في نخلة جميرا لبطل UFC السابق فرانسيس نغانو، وهو ما قال عنه المطور “عقارات أرادا” إنه “يؤكد استمرار شهية المستثمرين للوحدات السكنية الفاخرة في دبي”.

محمد العبار، رئيس شركة إعمار، كان متفائلاً حيث قال لقناة سي إن بي سي هذا الشهر إن “لا أحد يريد التنازل عن الأسعار”.

الخاتمة: هل يسمح القادة في دبي بانهيار “الملاذ”؟

يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل سينهار سوق العقارات في دبي تحت وطأة الصواريخ والتراجع الحاد في المعاملات بعد 21 يوماً من الحرب؟

الحقيقة أن 21 يوماً كانت كافية لهز ثقة بنيت على مدى سنوات. الأرقام التي نقلتها رويترز عن غولدمان ساكس تؤكد تراجع المعاملات بنسبة 49%، وتحذيرات سيتي بنك من تباطؤ النمو السكاني إلى 1% فقط. ورغم التصريحات المتفائلة من بعض المسؤولين، فإن حالة “شلل الانتظار” التي وصفها الوسطاء العقاريون تعكس واقعاً مختلفاً.

يبقى السؤال الذي يلح على كل من يقرأ هذا التقرير: هل سيسمح القادة في دبي باستمرار نزيف رؤوس الأموال، أم أن الوقت قد حان لإنقاذ السوق قبل أن تتحول التخفيضات الهامشية إلى انهيار شامل؟

الإجابة ليست في أرقام الصفقات، بل في حسابات الغرف المغلقة في طهران وتل أبيب وواشنطن. فبقاء الحرب – أو انتهاؤها – هو الذي سيقرر ما إذا كانت دبي ستعود إلى سابق عهدها كـ”ملاذ أثرياء العالم”، أم ستبقى رهينة لحسابات لا تملك أي سيطرة عليها، ويصبح الانهيار العقاري واقعاً لا مفر منه.

فإما أن تنتهي الحرب لتعود الثقة، أو أن يستمر “شلل الانتظار” ليحول التخفيضات الصامتة إلى زلزال حقيقي يهز أعمدة الاقتصاد الذي راهن على الوهم أكثر مما راهن على الحجر. فالشظايا التي وصلت إلى مطار دبي الدولي – وفق ما وثقتها رويترز – كشفت أن لا أحد في هذه المنطقة محصن من النار.