شعار صوت القضية
صوت القضية
صحفيون من أجل فلسطين
وداعاً يا جبل الصبر… المناضل الأسطوري حمود الحميدي في ذمة الخلود

وداعاً يا جبل الصبر… المناضل الأسطوري حمود الحميدي في ذمة الخلود

بقلم/ نجيب الكمالي

الرفيق خالي حمود أحمد خالد الحميدي لم يكن مجرد اسم في قائمة المناضلين، بل كان حكاية يمنية كتبتها السنوات بالدم والنار والورد. في عام 1976م، كان اليمن الشمالي يغلي تحت وطأة الظلم، فاختار ذلك الشاب الذي لم يتجاوز العشرين أن يكون مع المقاومين الثوريين، أن يبيع راحة بيته ويشتري متاعب الطريق، وأن ينام على الأرض كي تصحو الحرية.

انضم إلى حزب الوحدة الشعبية – الجبهة الوطنية الديمقراطية، أحد فصائل الحزب الاشتراكي اليمني في الشمال، وهناك تشكّل على مائدة العُسرة، وتعلّم كيف يكون الصمت بلاغة، وكيف تكون العين الواحدة خليةً كاملة، وكيف يتحول المنزل المطارد إلى قلعة. طاردوه، شرّدوه، وأجبروه أن ينام في الكهوف والوديان، لكنه كان كالنخلة، كلما حاولوا قطعها ازدادت رسوخاً.

وما أن هبّت رياح الحملات العسكرية من نظام صنعاء حتى كان الرفيق خالي في مقدمة الصفوف، يحمل السلاح في يد، والقيم الثورية في القلب. تلقّى دورات حزبية وعسكرية كمن يتلقى سراً مقدساً؛ أن تكون يمنياً حراً يعني أن تحترق ولا تنطفئ.

جاءت الوحدة عام 1990م كفرحة عارمة، لكنه لم يخلع ثوبه النضالي، بل عاد مع رفاق دربه ليعيدوا ترتيب أوضاع الحزب في المديرية، كمن يعيد بناء بيتٍ تهدّم لكن أساساته من إيمان. انتخبوه عضواً في لجنة المديرية للحزب الاشتراكي اليمني، فكان الضمير اليقظ الذي لا ينام على خطأ ولا يسكت على ظلم.

ثم انفجرت حرب صيف 1994م الظالمة، تلك الحرب التي مزّقت الوحدة كما يمزّق السيل جذعاً. هنا وقف الرفيق خالي كصخرة في وجه الطوفان، وظل متمسكاً بقيم الوحدة والعدالة والمساواة التي ناضل من أجلها، وتحمل المطاردات والتشريد من جديد، وبقي على خط ومبادئ الحزب الاشتراكي في تواصل دائم مع رفاقه، رغم أن مرتبه توقف منذ حرب 1994م، مع سائر رفاقه، وكانوا جميعاً يتقاسمون رغيفاً واحداً وقضيةً واحدة.

وفي عام 2021م، وكأن السماء أرادت أن تضع إكليلاً من نور على رأس شيخ المناضلين، انتُخب الرفيق الراحل نائباً لرئيس الرقابة الحزبية للحزب الاشتراكي – الدائرة (37)، فحمل الأمانة بظهرٍ من حديد، حتى وهو مُثقل بتعب السنين.

اليوم رحل الجسور، لكنه لم يغب؛ هو الآن في كل زاوية ناضل فيها، في كل خطاب حر، في كل عين ثائرة تبحث عن العدالة. هو في أنفاس اليمن التي لا تزال حرة رغم كل شيء.

وبهذه المناسبة الحزينة والمصاب الجلل، أتقدم بخالص العزاء والمواساة لرفيق دربه خالتي عزية سعيد دحوة، ولأهله ومحبيه الكرام، وإلى كافة أعضاء وقيادة الحزب ورفاق دربه ومحبيه.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتغمد الفقيد بواسع الرحمة والمغفرة، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله ورفاقه ومحبيه الصبر والسلوان.

إنا لله وإنا إليه راجعون.