صرخة في وجه الصمت: حين يتحول الأسر إلى حكمٍ بالموت البطيء
متابعة: عادل شلبي
في عالمٍ يُفترض أن تحكمه القوانين وتحميه القيم الإنسانية، يقف الإنسان الفلسطيني اليوم أمام مشهدٍ يكاد يعجز العقل عن استيعابه: دمٌ يُسفك، وطفولةٌ تُسرق، وأمهاتٌ يُتركن على أرصفة الانتظار يُعدّدن أسماء الغائبين بين شهيدٍ وأسيرٍ ومفقود. منذ عام 2023، لم تعد المأساة مجرد أرقام تُتلى في نشرات الأخبار، بل تحولت إلى جرحٍ مفتوح في ضمير الإنسانية، حيث تتكرر صور القتل والدمار وكأنها قدرٌ كُتب على شعبٍ بأكمله. وبينما تواصل إسرائيل تقديم نفسها كضحية، فإن الواقع على الأرض يروي قصةً أخرى، قصة شعبٍ أعزل يُدفع يوميًا إلى حافة الفقد الكامل.
وفي قلب هذه المأساة، تتجلى قضية الأسرى الفلسطينيين كواحدة من أكثر القضايا إيلامًا وتعقيدًا، حيث يقبع ما يقارب 9500 أسير خلف القضبان، بينهم أطفال ونساء وشيوخ، لا يحملون سلاحًا ولا يملكون سوى أجسادٍ أنهكها القيد، وانتظارٌ يطول بلا نهاية. ومع القرارات التي تصدر عن الكنيست الإسرائيلي، تتصاعد المخاوف من سياساتٍ تمضي نحو مزيد من القسوة، وتطرح تساؤلاتٍ عميقة حول شرعية ما يُتخذ من إجراءات بحق هؤلاء، خاصة القاصرين الذين يفترض أن يكونوا تحت حمايةٍ مضاعفة وفق كل الأعراف والقوانين الدولية.
أي تهديدٍ يمكن أن يشكله أسيرٌ مُجرّد من كل شيء؟ وأي منطقٍ ذاك الذي يبرر التعامل معه كخطرٍ يستوجب أقصى درجات العقاب؟ إن ما يتعرض له الأسرى لا يمكن فصله عن سياقٍ أوسع من الانتهاكات التي تطال الإنسان الفلسطيني في حياته وكرامته وحقه في الوجود. فالأم التي تبكي ابنها الشهيد، لا تنام ليلها خوفًا على الآخر الأسير، والأب الذي يحمل جرحًا في صدره، يعيش كل يومٍ على أمل خبرٍ يطمئنه، لكنه لا يأتي.
سياسيًا، لا تبدو هذه السياسات طريقًا نحو الأمن بقدر ما تعمّق دائرة الألم وتغذي مشاعر الغضب واليأس. أما عسكريًا، فمن الصعب تصور أن أسيرًا أعزل يمكن أن يشكل تهديدًا حقيقيًا يبرر مثل هذه الإجراءات. ومع ذلك، يستمر الواقع كما هو، ويستمر السؤال الذي يثقل كاهل الضمير الإنساني: إلى متى سيبقى الضعفاء يدفعون الثمن؟
ورغم كل هذا السواد، يبقى الأمل خيطًا رفيعًا لا ينقطع، بأن يأتي يوم تُكسر فيه القيود، وتُرد فيه الحقوق، ويُعاد للإنسان الفلسطيني صوته وكرامته، وتجد تلك الأمهات بعض السكينة بعد طول انتظار. فالتاريخ، مهما طال، لا ينسى، والحق، مهما غُيّب، لا يموت.