إعدامُ أسير… ثقبٌ في ضمير العالم
مجرد التلويح بقرار إعدام الأسرى الفلسطينيين لا يضعنا أمام خلاف سياسي، بل أمام جرم مريع يمس ثوابت الضمير الإنساني، التي استقرت بعد حروب دفعت البشرية فواتيرها دمًا وخرابًا وويلات. ففكرة "الأسير" في القانون الدولي لم تُنشأ لتجميل وجه الحروب، فهو قبيح في كل حال، بل لتقييد آمال الغلواء فيها، لتذكير المتحاربين بأن هناك حدًا لا يجوز اختراقه، مهما اشتدّ الصراع. ففي قلب الجحيم، يجب أن تظل للإنسان حرمة.
الاتفاقية الثالثة من اتفاقيات جنيف الخاصة بأسرى الحرب، والتي أُقرّت بعد ويلات الحرب العالمية الثانية، تحدد أن الأسرى أشخاص أصبحوا "خارج دائرة القتال"، فاقدي السلاح والقدرة على المقاومة، وبالتالي يكتسبون حماية قانونية كاملة. هذه الحماية لا تقتصر على منع تعذيبهم أو إهانتهم، بل تمتد لتشمل الحق في الحياة بكرامة داخل معسكرات الاحتجاز، مع توفير الغذاء والرعاية الطبية والزيارات. ولا يجوز تعريض الأسير لأي عقوبة دون محاكمة عادلة تستوفي كافة الضمانات القانونية. وأثناء الاستجواب، لا يُجبر على الإدلاء إلا بمعلومات أساسية كالاسم والرتبة والرقم العسكري، ولا يجوز تعذيبه لاستخلاص معلومات.
كل ما سبق ثابت لا جدال فيه. غير أن الموضوعية تقتضي التمييز بين الوقائع وصدمة الشائعة. فالمتداول في الفضاء العام عن “قرار إعدام الأسرى” لا يعكس الصورة القانونية الدقيقة. فما أُقرّ داخل الكنيست الإسرائيلي هو تشريع يفتح الباب أمام فرض عقوبة الإعدام في حالات محددة متورطة في أعمال العنف، وليس قرارًا فوريًا بإعدام جماعي عشوائي للأسرى، كما أُشيع. تلك المسافة بين الحقيقة وصداها الإعلامي ليست تفصيلًا هامشيًا، بل هي جوهر المسألة. لأن الخطورة الحقيقية لا تكمن فقط في تنفيذ الإعدام، بل في تقنين إمكانيته، أي تحويله من فعل استثنائي مُدان إلى خيار قانوني مشروع. وفي خضم هذا التحليل، ينبغي ألا ننسى ما شهدته غزة من مجازر عمياء ارتكبها الاحتلال الصهيوني، فالنقاش ينعقد فوق أرض مثقلة بالدم والضحايا.
غير أن الدم لا يُطفئ السؤال الأخلاقي، بل يشعله: فحين يصبح إعدام الأسير احتمالًا، فإن الحماية التي كرستها "اتفاقيات جنيف" تتعرض لتآكل تدريجي عبر "شرعنة الاستثناء". فالقوانين لا تُهدم دائمًا بقرارات صاخبة، بل أحيانًا بنصوص “منضبطة” ظاهريًا، تُبقي الشكل وتفرغ المضمون، وهذا أخطر.
وليس هذا فحسب، فالقانون الدولي لا يعترف بمنطق "الانتقام" كذريعة للفُجر في الخصومة. فلا يجوز لدولة أن تبرّر إعدام الأسرى ردًا على أفعال سابقة، أو بدعوى الردع. فالقانون وُضع تحديدًا ليكبح هذا المنحدر الأخلاقي، الذي إن فُتح بابُه، تحوّلت الحروب إلى مذابح فوضوية لا قيود لها ولا أخلاق.
وثمة بُعد نفسي آخر لا يقل خطورة. ذاك أن إعدام الأسرى لا يهدد الضحايا المباشرين وحسب، بل يهدد فكرة "الأَسر" ذاتها. فإذا فقد المقا.تل ثقته في أنه سيُعامل بكرامة كـ"أسير حرب" إن استسلم، فسوف تزداد وحشية المعارك، وتتسع دوائر الدم. هكذا يتحول خرق قاعدة واحدة إلى سلسلة من الانهيارات الأخلاقية والقانونية.
الأهم والأخطر من وجهة نظري، هو أن المسألة لا تتعلق وحسب بنصوص قانونية، بل بفلسفة كاملة تأسست عليها فكرة “الإنسان” في العصر الحديث. فبعد كوارث القرن العشرين، لم تعد الحياة حقًا تمنحه الدولة أو تمنعه، بل هي قيمة عُليا لا يجوز مسّها إلا وفق إجراءات قانونية وأخلاقية بالغة الصرامة والتعقيد. والأسير هو الاختبار الأصعب لتلك الفلسفة: هل نحمي الإنسان حين يكون أعزل، أم نعيد تعريفه وفق ميزان القوة والسلطان؟
يخبرنا التاريخ أن الانحدار دائمًا ما يبدأ بخطوة صغيرة تُبرّر بالضرورة أو الاستثناء. ثم لا يلبث الاستثناء أن يتحول إلى قاعدة، وتصبح القسوة عادة، ويبهت الحس الأخلاقي شيئًا فشيئًا. لذلك، فإن الصمت على فكرة إعدام الأسرى لا يعني فقط قبول انتهاك راهن، بل تمهيد الطريق لانتهاكات أوسع في المستقبل. والمسألة تتجاوز أطراف الصراع لتطال النظام الدولي برمته.
إذا تآكلت القواعد التي تنظّم الحروب، فإننا نعود إلى "قانون الغاب"، حيث لا معيار إلا القوة والغلبة، ولا حماية إلا لمن يملكهما. وحينها، لن يكون أي إنسان، في أي مكان، بمنأى عن أن يصبح "أسيرًا بلا حقوق".
إن الدفاع عن حقوق الأسرى الفلسطينيين ليس مجرد موقف سياسي، بل هو دفاع عن الحد الأدنى من إنسانيتنا المشتركة. فالقانون الدولي لم يُكتب لينحاز لهذا الطرف أو ذاك، بل ليحمي الإنسان حين يصبح في أضعف حالاته: أعزل، مقيد، في قبضة خصمه.
وفي النهاية، يبقى السؤال معلقًا فوق ضمير العالم: هل نسمح بأن يُعاد تعريف الأسير من “إنسان تحت الحماية” إلى "هدف مستباح”؟ إذا حدث ذلك، فلن يكون الضحايا هم الأسرى وحدهم، بل العدالة والضمير.