ما بعد الفخّ أم داخل إمكانيته؟ قراءة نقدية في مقال خالد عطية “هل انتهى زمن النهايات؟”
الفخ المركّب و"اللا- حسم" - سياق وتساؤل
الاشتباك مع مفهوم “الفخّ المركّب” ليس مجرد نقاش نظري حول تفسير اللا - حسم في الحروب المعاصرة، بل يفتح سؤالا أعمق حول طبيعة النظام الدولي وحدود المفاهيم التي نحاول من خلالها فهمه، ليس بوصفها أدوات محايدة، بل جزءا من البنية التي تسعى إلى تفسيرها.
وفي هذا السياق، يذهب طرح الأستاذ خالد عطية إلى أبعد من نقد الإطار، ليقترح تحوّلا أكثر جذرية: من عالم يفشل في إنتاج النهايات، إلى عالم فقد القدرة على إنتاجها أصلا.
هذه النقلة الفكرية، على عمقها، تستدعي التوقف عند حدودها بقدر ما تستدعي البناء عليها، وهي تتطلب النظر في تداخل الفخاخ المختلفة، وفهم دور الحتمية المعكوسة في صياغة إمكانات الفعل ضمن النظام الدولي، بوصفها مفهوما لا يصف الواقع فقط، بل يعيد تنظيم فهمنا لشروط الاشتباك معه.
أولًا: هل الفخّ بنية مغلقة أم اتجاه بنيوي؟
ينطلق طرح “نهاية النهايات” من افتراض يعبّر عنه صراحة، حيث يذهب خالد عطية إلى أن: “المشكلة لم تعد أن الحروب لا تنتهي، بل أننا ما نزال نفكّر كما لو أنها يجب أن تنتهي.”
هذا يعني ضمنيا أن التداخل لم يعد حالة عارضة، بل أصبح القاعدة الحاكمة للنظام الدولي، أي الانتقال من توصيف ظاهرة إلى تأطير نمط اشتغال عام. وبذلك، يتحول الفخّ من إطار تفسيري إلى وصف مطابق لطبيعة العالم.
غير أن هذا الاستنتاج، رغم وجاهته الظاهرية، ينطوي على قفزة تحليلية تتجاوز ما يسمح به الإطار نفسه. فـ“الفخّ المركّب” لا يُقدّم بوصفه حالة مغلقة، بل بوصفه اتجاها بنيويا غالبا يتشكل عند تلاقي عتبات محددة: التدويل، التداخل، والاستنزاف الإدراكي.
هذا التمييز ليس لغويا فحسب، بل منهجي، إذ يفتح المجال لفهم التفاوت بين الحالات، ويُبقي على إمكانية التحول حتى داخل بنية مقيدة، بما يمنع اختزال التاريخ في صيغة واحدة مكتملة.
إن تحويل “الفخ” إلى بنية كلية مغلقة يعيد إنتاج ما يحذر منه النقد نفسه: تحويل الأداة التفسيرية إلى يقين نظري مكتمل.
ثانيًا: بين استحالة الحسم وإعادة تعريفه
يذهب خالد عطية في موضع أكثر تحديدا إلى أن: “شروط الحسم نفسها لم تعد قائمة كما كانت.” وهو طرح ينقل النقاش من توصيف أزمة الحسم إلى مساءلة إمكانيته من الأساس، أي من مستوى النتائج إلى مستوى الشروط المنتجة لها.
غير أن هذا الانتقال ينطوي على افتراض ضمني مفاده أن التداخل الذي يحكم النظام الدولي قد بلغ حدا نهائيا غير قابل للتفكيك، وهو ما يتجاوز ما يسمح به إطار “الفخ المركّب” نفسه، الذي يقدّم هذا التداخل بوصفه اتجاها بنيويا متصاعدا، وليس بنية مغلقة مكتملة.
كما أن الطرح يفترض ضمنيا أن “الحسم” لا يُفهم إلا ضمن صيغته الكلاسيكية: انتصار، توازن، أو تسوية نهائية، أي ضمن تصور خطي للعلاقة بين الفعل والنتيجة، وهو افتراض يختزل الحسم في مخرجاته النهائية، متجاهلا أن وظيفته في بيئات معقدة قد لا تكون إنهاء الصراع، بل إعادة تنظيمه وتوليد أثر استراتيجي مستمر.
أما في إطار “الفخّ المركّب”، فإن القضية ليست في غياب الحسم، بل في تحوّل معناه. فالحسم، في بيئة عالية التداخل، لا يختفي، بل يعاد تعريفه كقدرة على إنتاج أثر استراتيجي مستمر، لا لحظة إغلاق نهائية.
هنا يظهر دور نموذج الصمود النشط: آلية للعمل داخل قيود الفخ، تتيح إعادة توزيع الإمكانات وتحقيق أقصى تأثير ضمن بيئة مقيدة، من خلال:
• إعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية.
• العزل الجراحي لمسارات محددة ويقصد به هنا: تفكيك انتقائي لمسار محدد داخل شبكة التداخل، بهدف تحييده أو إعادة توجيهه دون تفكيك البنية الكلية. فهو لا يمثل انسحابا من النظام، ولا فصلا كاملا لمساراته، بل تدخلا دقيقا يستهدف نقطة بعينها داخل التشابك، بما يسمح بتقليل ارتباطها ببقية العقد، وإعادة توظيف أثرها استراتيجيا.
وتظهر أهمية هذا النمط من التدخل في قدرته على تحويل مسار جزئي من نقطة استنزاف إلى نقطة ضغط، دون الحاجة إلى كسر التداخل ككل، بما يعيد توزيع أثره داخل الشبكة بدل السعي إلى تفكيكها. وهو ما يجعله أداة مركزية للعمل داخل الفخ المركّب، لا للخروج منه.
• تحويل نقاط الضعف إلى مجالات فعل نسبي. بهذا المعنى، لا يشكّل الصمود النشط خروجا من الفخ، بل أداة للعمل داخله لإحداث تغييرات ملموسة ضمن شروط معقدة، وإعادة تعريف الحسم البنيوي.
فعندما تُطبق هذه الآليات، كما يمكن ملاحظته في حالات غزة، إيران، وأوكرانيا، يتحقق التأثير الاستراتيجي دون أن يتخذ شكل نهاية حاسمة بالمعنى الكلاسيكي.
ثالثًا: التداخل كمتغير قابل لإعادة الضبط
بعد إعادة تعريف الحسم وتوضيح دور الصمود النشط، لم يعد التداخل حدا نهائيا، بل أصبح متغيرا ديناميكيا يمكن الاشتباك معه استراتيجيا. فالتداخل يشبه شبكة عنكبوتية: كل خيط متصل بالآخر، لكنه ليس كتلة صلبة. بالمعرفة الدقيقة لنقاط الضغط، يمكن شد أو تخفيف بعض الخيوط لإعادة توجيه القوة دون تفكيك الشبكة بالكامل.
ويظهر ذلك بوضوح في حالات مثل غزة وإيران، حيث لم يكن بالإمكان فك التداخل الدولي، لكن جرى إعادة توزيعه وتوجيهه:
• الضغط العسكري لم يعد فقط قوة قسرية، بل أصبح وسيلة لإحداث عبء سياسي وأخلاقي على الخصم. فالإبادة والتدمير والتجويع لقطاع غزة أسقط الحصانة الدولية التي استثنت اسرائيل من نفاذ القانونين الدولي والإنساني، وجعلها دولة منبوذة سياسيا وأخلاقيا، ومدانة في محكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات الدولية، وهو ما يمكن فهمه بوصفه إعادة توزيع لمسار الشرعية داخل شبكة التداخل، لا كتحول خارجها.
• الحصار الاقتصادي، الذي قلص صادرات النفط بنسبة 30% خلال السنوات الأخيرة، لم يعد مجرد سلاح مغلق، بل دفع إيران لتطوير شبكات تبادل بديلة ومشاريع داخلية لتخفيف الاعتماد على السوق العالمي، ما يحوّل الضغط إلى فرصة لصنع الفعل الاستراتيجي.
في هذه الحالات، التداخل لا يمثل نهاية الإمكان، بل أرضية لصنع الفعل. من خلال إعادة توزيع كثافته وتحويل نقاط الضعف إلى فرص، يصبح النظام الدولي المعقد مجالا يمكن الاشتباك معه بحنكة، بما يتيح إنتاج أثر مستمر حتى في غياب النهاية الحاسمة.
رابعًا: الحتمية المعكوسة كمفهوم مركزي
بوصفها مفهوما لا يصف الواقع فقط، بل يعيد تنظيم فهمنا لإمكان الفعل داخله، يبلغ هذا التصور ذروته حين يُعاد تعريف اللا - حسم بوصفه: “الشكل الطبيعي لعمل النظام.” وهي لحظة يتحول فيها التوصيف من تحليل لاتجاه بنيوي إلى حكم كلي، بما ينطوي عليه من خطر تثبيت ما هو متحوّل بوصفه شرطا نهائيا.
ينجح طرح “نهاية النهايات” في تفكيك وهم الحسم الكلاسيكي، لكنه يقترب، في لحظة قوته، من إنتاج حتمية جديدة معكوسة: إذا كان الحسم مستحيلا، فإن الاستمرار يصبح القاعدة النهائية.
هذه الحتمية، وإن بدت نقدية، تحمل خطرا مزدوجا:
• نظريا: تُغلق أفق التحليل عبر تحويل الاتجاه إلى قانون.
• عمليا: تُضعف الفعل الاستراتيجي عبر تقليص مجال الإمكان الذي يتيحه الصمود النشط.
في المقابل، يسعى “الفخّ المركّب” إلى الحفاظ على هذا التوازن الدقيق: الاعتراف بالقيود البنيوية، دون تحويلها إلى قدر مغلق.
بكلمات أخرى: استمرار الصراع ليس نتيجة فشل، بل جزء من آلية إنتاج الإمكانات الاستراتيجية داخل الفخ، ما يجعله مفهوما مركزيا في سلسلة التحليل.
خامسًا: بين تفسير العالم وإعادة إنتاجه
يثير خالد عطية سؤالا مهما: هل يسهم المفهوم في إعادة إنتاج الواقع الذي يصفه؟
والإجابة لا تكمن في نفي هذا الخطر، بل في طريقة استخدام المفهوم، أي في موقعه بين الوصف والتدخل.
كل إطار تفسيري يحمل إمكانية التحول إلى أداة تثبيت إذا فُهم بوصفه نظاما مكتملا. غير أن “الفخّ المركّب”، بقدر ما يفسّر القيود، يقدم أيضا أدوات للاشتباك معها، من خلال:
• تفكيك التداخل
• إعادة تعريف النجاح
• تحويل نقاط الضعف إلى مساحات فعل
وبذلك، لا يكون المفهوم إعادة إنتاج للواقع، بل محاولة لفتح مسارات داخل انسداده، أي إعادة إدخال الإمكان في بنية تبدو مغلقة.
سادسًا: الفخّ كحدّ، لا كأفق نهائي
تكمن القيمة الأساسية لهذا الاشتباك في كشف حدّين:
• حدّ التفكير الكلاسيكي الذي يفترض إمكانية الحسم.
• حدّ التفكير البنيوي حين يتحول إلى نفي كامل لإمكانية التغيير.
بين هذين الحدّين، يأتي “الفخّ المركّب” لا ليعلن نهاية النهايات، بل ليعيد تعريف شروطها، أي نقل السؤال من النتيجة إلى الشروط المنتجة لها.
فالعالم قد لا ينتج نهايات بالمعنى الذي عرفناه، لكنه لا يتوقف عن إنتاج تحولات، وما يبدو استمرارا مفتوحا قد يكون، في مستوى أعمق، إعادة تشكيل مستمرة لموازين القوة، وأنماط السيطرة، وإمكانات الفعل.
سابعا: ما بعد زمن النهايات: كيف نصنع الفعل حين يختفي الحسم؟
إذا كان ما يُطرح هو عالم فقد القدرة على إنتاج النهاية، فإن الإشكال لا يكمن في العالم بقدر ما يكمن في اللغة التي نصفه بها.
المشكلة ليست أن العالم بلا نهايات، بل أننا نبحث عنها في المكان الخطأ، ونصرّ على تعريفها بطريقة لم يعد العالم يعترف بها. وفي هذا الإصرار، لا نفشل في تفسير الصراع فحسب، بل نُعيد إنتاج عجزنا عن تغييره.
من هنا، لم يعد السؤال: هل انتهى زمن النهايات؟ بل: كيف تغيّرت شروط إنتاجها؟ ولصالح من؟ وما هي الأدوات التي تجعل الفعل ممكنا داخل قيود الفخ؟
في هذا العالم المعقد، علينا ألا ننتظر نتائج نهائية، بل أن نصنع الإمكانات الاستراتيجية حيث تظهر، وتحويل قيود الفخ إلى مساحات فعل. فالصمود النشط، وإعادة ترتيب الأولويات، وتحويل نقاط الضعف إلى قوة، ليست مجرد خيارات، بل الطريقة الوحيدة لصناعة أثر مستمر حين يختفي الحسم.
العالم لم يعد يمنح نهايات، لكنه يمنح فرص الفعل لمن يعرف كيف يصنعها.