الحركة الوطنية الفلسطينية من الانتصار إلى التراجع والانكسار
لم تكن الحركة الوطنية الفلسطينية في يوم من الأيام مجرد حالة نضالية عابرة، بل كانت مشروعًا تحرريًا متكاملًا استطاع أن يفرض نفسه على الساحة الدولية، وأن يُعيد تعريف القضية الفلسطينية كقضية شعب يسعى للحرية والاستقلال، بعد أن كادت تُطمس هويته وتُختزل معاناته.
لقد شهدت الحركة الوطنية مراحل صعود حقيقية، خاصة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حين توحّد البند السياسي مع الفعل المقاوم، واستطاعت القيادة الفلسطينية أن تنتزع اعترافًا دوليًا واسعًا، وأن تجعل من منظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني. كانت تلك المرحلة عنوانها الإنجاز، والإرادة، والقدرة على تحويل التضحيات إلى مكاسب سياسية.
لكن، ومع التحولات الإقليمية والدولية، بدأت ملامح التراجع تتسلل إلى جسد الحركة الوطنية. فبدل أن يتم البناء على الإنجازات، دخلت الحركة في دوامة من الانقسامات الداخلية، والصراعات على النفوذ، وتغليب المصالح الفئوية على المشروع الوطني الجامع.
لقد شكلت اتفاقيات التسوية، وعلى رأسها أوسلو، نقطة مفصلية في مسار الحركة الوطنية، حيث تم الانتقال من مشروع تحرري شامل إلى سلطة محدودة الصلاحيات، مقيدة بالاتفاقات، وخاضعة للاشتراطات السياسية والأمنية. ومع الوقت، تحوّل هذا الواقع إلى عبء على المشروع الوطني، بدل أن يكون خطوة نحو تحقيقه.
وما زاد من عمق الأزمة هو الانقسام الفلسطيني الداخلي، الذي لم يقتصر أثره على تعطيل المؤسسات، بل أصاب الوعي الجمعي بحالة من الإحباط وفقدان الثقة. فالشعب الذي كان موحدًا خلف هدف التحرير، بات اليوم يعيش حالة من التشظي السياسي، وغياب الرؤية الموحدة.
إن التراجع لم يكن قدَرًا، بل نتيجة تراكمات من الأخطاء السياسية، وسوء إدارة المرحلة، وغياب التجديد في بنية الحركة الوطنية. فالمؤسسات التي كانت يومًا حاضنة للنضال، أصبحت عاجزة عن مواكبة تطلعات الجيل الجديد، الذي يبحث عن أدوات أكثر فاعلية، وخطاب أكثر صدقًا.
من هنا، فإن الحديث عن الانكسار لا يعني النهاية، بل يجب أن يكون نقطة انطلاق لمراجعة شاملة وجريئة. مراجعة تعيد الاعتبار للمشروع الوطني على أسس جديدة، تقوم على الوحدة، والشراكة، والعدالة الاجتماعية، وتفعيل دور الشباب والطبقة العاملة في صناعة القرار.
وترى حركة عدالة أن إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية لا يمكن أن تتم دون إعادة الاعتبار للإنسان الفلسطيني، كقيمة مركزية في المشروع، وضمان حقوقه الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب حقوقه السياسية. فالنضال لا ينفصل عن العدالة، والحرية لا تكتمل دون كرامة إنسانية.
كما تؤكد الحركة أن المطلوب اليوم ليس فقط إنهاء الانقسام، بل إعادة صياغة المشروع الوطني برمّته، ليكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات، وأكثر ارتباطًا بالواقع، وأكثر تمثيلًا لمصالح الشعب.
ختامًا، إن الحركة الوطنية الفلسطينية، رغم ما أصابها من تراجع وانكسار، لا تزال تملك من الإرث والتجربة ما يؤهلها للنهوض من جديد، إذا ما توفرت الإرادة الصادقة، والقيادة الواعية، والرؤية الجامعة.
فالشعوب التي تناضل من أجل حريتها، قد تتعثر، لكنها لا تموت.