تعز تبكي أبناءها: حكاية مدينة تذرف الدماء
في ليلة خميس ثقيلة الظل سقط على رصيف جولة الشهيدة أفتهان المشهري جسد آخر لمدينة أنهكتها الجراح. لم يكن الصحفي عبدالصمد القاضي سوى اسم جديد في قائمة طويلة من الأبناء الذين خطفتهم الرصاصات الغادرة في المكان نفسه الذي اغتيلت فيه ذات يوم مديرة النظافة التي حملت الجولة اسمها.
تلك الجولة في تعز، التي كانت يومًا ما ممرًّا للحياة، تحولت إلى شاهد صامت على مأساة تتكرر، حيث تصطف فيها دراجات الموت المجهولة لتخطف الأرواح ببرود ثم تختفي في متاهات الخوف والفوضى.
وفي زقاق آخر من أزقة المدينة الحزينة، كانت الطفلة ميرا نور الدين المليك تستعد لعودة بريئة من قلعة القاهرة، حيث كانت الألعاب والضحكات، لكن الرصاص الذي لا يعرف طفولة ولا براءة اعترض طريقها في وادي المعسل ليحول فرحة العودة إلى نحيب أبدي. طفلة لم تبلغ من العمر ما يكفي لتفهم لماذا يقتل الناس بعضهم، سقطت لتكتب اسمها بحروف من دم على جدار الذاكرة والتعزية.
تعز، مدينتي التي كنت تاج الجبال وقلعة التاريخ وبوابة اليمن في العلم والثقافة، كيف أصبحت اليوم ساحة للرصاص الطائش؟ كيف صار أبناؤك يُقتلون في وضح النهار والجناة يمرون من أمام نقاطكم الأمنية كأنهم ظلال لا تُرى؟
أماه، أين ذهب ذلك الأمن الذي كان ينام في جفون أطفالك مطمئنين؟ أين أولئك المسؤولون الذين يكتفون بتصريحات فضفاضة، وكأن الدماء التي تسيل في شوارعك مجرد أرقام في نشرات الأخبار؟
كل يوم يغيب شهيد، وكل ليلة تبكي أم فقدت فلذة كبدها؛ الصحفي الطالب الذي كان يحلم أن يكون صوته للحق ينادي، والطفلة التي كانت تحلم بغد جميل، كلاهما التقيا على طريق الموت الذي صار أقصر من أن تلتقي فيه الأرواح قبل الأجساد.
تعز، يا ابنة الجبل، تعز، يا عروس اليمن، متى ينتهي هذا المسلسل الدامي؟ متى تُرجع الأمانة إلى من يستحقها؟ ومتى تجف منابع الفوضى ويُعاقب القتلة وتعود الحياة إلى شوارعك التي عرفتها يومًا مفعمة بالحياة والأمل؟
إنها ليست مجرد حادثتين منفصلتين، إنها حكاية مدينة كاملة تذرف الدماء وتنتظر بصبر ليفيق ضمير قيادتها، أو أن تتحرك يد غائبة تنتشلها من هذا المستنقع.
رحم الله عبدالصمد وميرا وكل شهداء تعز الذين رووا ترابها الطهور بدمائهم الزكية.
الحداد على تعز لا ينتهي طالما أن دماء أبنائها تُراق بلا حساب.
تعز خزينة... تعز حزينة