شعار صوت القضية
صوت القضية
صحفيون من أجل فلسطين
عيد القيامة في فلسطين… طقوس النور في مواجهة تشريعات الظلام

عيد القيامة في فلسطين… طقوس النور في مواجهة تشريعات الظلام

بقلم: المهندس غسان جابر - الاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين العرب أصدقاء وحلفاء الصين رئيس فرع فلسطين.

يشكّل عيد القيامة في فلسطين مناسبة روحية ذات معانٍ عميقة تتجاوز البعد الديني إلى فضاء الهوية الوطنية والثقافة التاريخية للشعب الفلسطيني. فالأرض التي شهدت مسيرة المسيح وصلبه وقيامته ما تزال حتى اليوم مساحة تختبر قسوة الاحتلال وامتداداته السياسية والأمنية. وفي هذا العام، تزامنت الاستعدادات للاحتفال بالفصح مع خطوة سياسية أثارت جدلًا واسعًا، تمثّلت في إقرار الكنيست الإسرائيلي قانونًا يتيح إصدار حكم الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين، الأمر الذي ألقى بظلال ثقيلة على المشهد الديني والإنساني في فلسطين.

طقوس القيامة… واستدعاء الذاكرة الجمعية

تحتضن القدس سنويًا طقوس “درب الآلام” التي تستحضر الساعات الأخيرة من حياة المسيح قبل الصلب.
غير أنّ الفلسطينيين – مسيحيين ومسلمين – يجدون أنفسهم يعيشون تجربة موازية لا تقتصر على الرمزية التاريخية، بل تمتد إلى واقع يومي يُثقل المجتمع بأشكال متعددة من القمع، والحصار، والتهجير، والمسّ بالحقوق الأساسية.

هذه الطقوس، بما تحمله من دلالات حول الصبر والأمل والعدالة، تقف هذا العام أمام واقع سياسي متوتر يتجاوز الحدود التقليدية للنزاع، ويمسّ بالحقوق الإنسانية التي نصّت عليها المواثيق الدولية.

قرار الإعدام… ومشهد الصليب السياسي

إقرار الكنيست لقانون يبيح الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين يأتي في مرحلة حساسة من تاريخ الصراع، ويشكّل انحرافًا إضافيًا نحو خيارات عقابية ذات طابع تصعيدي.
ورغم أنّ هذا القرار يُقدَّم في إطار قانوني، إلا أنّه يحمل رسائل سياسية بالغة الخطورة، في مقدمها تكريس رؤية تعتبر الفلسطينيين خارج إطار الحماية القانونية، ومحاولة إضفاء شرعية على إجراءات عقابية تتعارض مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

يشير القرار إلى تصعيد في الأسلوب المتّبع مع الأسرى، ويعكس ذهنية تنظر إلى العقوبة القصوى باعتبارها وسيلة ردع، متجاهلة السياق السياسي والإنساني، ومتناسية أنّ الحلول العسكرية والتشريعية القسرية لم تثبت في أي مرحلة قدرتها على إنهاء الصراع.

بين القيامة والواقع السياسي

يحمل عيد القيامة رسالة خلاص وقيامة وانتصار للحياة على الظلم.
وفي المقابل، يأتي التشريع الجديد ليُعيد إلى الأذهان صورة “الصليب السياسي” الذي يعلّق عليه الفلسطينيون اليوم، سواء عبر سياسات التهجير، أو القيود على الحركة، أو الاعتقالات، أو تهديد حياة الأسرى.

هذا التناقض بين المعنى الروحي للعيد والإجراءات السياسية على الأرض يسلّط الضوء على الطبيعة الخاصة للوجود المسيحي الفلسطيني، الذي يعيش تداخلاً بين الانتماء الديني والهوية الوطنية، ويختبر سنويًا أن طقوس القيامة لا تقتصر على الكنائس، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية في القدس والضفة الغربية وغزة.

رسالة الفصح: دعوة للعدالة والحماية

إنّ ما يصدر عن الكنائس الفلسطينية في هذه المرحلة – من بيانات وصلوات ونداءات – يعبّر عن قلق متزايد تجاه مستقبل الحضور المسيحي في فلسطين، والذي يتأثر بشكل مباشر بسياسات الاحتلال وتبعاتها الاجتماعية والاقتصادية.

وإزاء قرار الإعدام بحق الأسرى، تتوحّد الرسالة الدينية والإنسانية والسياسية:
ضرورة حماية الحق في الحياة، ورفض تحويل التشريعات إلى أدوات لتكريس السيطرة، والدعوة إلى احترام الكرامة الإنسانية باعتبارها حجر الأساس لأي حل عادل ودائم.

نقول :
يأتي عيد القيامة هذا العام محمّلًا بمعنى مضاعف:
معنى روحي يؤكد انتصار الحياة على الموت، ومعنى سياسي يعكس تحديات متصاعدة تمسّ الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني.
وبينما تستعد الكنائس لقرع أجراس القيامة، يبقى السؤال حاضرًا:
كيف يمكن لحياةٍ تعلن انتصارها في الطقوس الدينية أن تواجه تشريعات تُعيد إنتاج منطق العقاب والحرمان؟
ذلك هو جوهر اللحظة:
فلسطين التي تحتفل بالقيامة، تواجه في الوقت ذاته واقعًا يعكس الحاجة الملحّة لعدالة حقيقية تحفظ الكرامة الإنسانية، وتصون حق الشعوب في الحرية والعيش الكريم.

م. غسان جابر - فلسطين