عمران الخطيب: حكاية زنزانة تصنع مرآة لصمود الشعوب
أتابع مقالات الزميل عمران الخطيب، وكل مرة أقرأ فيها كلماته أشعر أنني أقف على عتبة المقاومة. وفي مقاله الأخير عن الأسرى الفلسطينيين، كأنني أعيش زنزانة لم أغادرها: أسمع صدى خطوات الأسرى، وأشم رائحة الحجر البارد الذي احتضن صمودهم، وأرى كل خدش على الجدار يروي قصة صبر وصمت وطاقة لا يمكن كسرها.
ومن خلال متابعتي للزميل عمران، وجدت أن الزميل عمران ليس مجرد صحفي يكتب عن الأخبار، بل هو أسير سابق عاش قسوة السجون الإسرائيلية بعد اجتياح لبنان عام 1982، وتحرر في صفقة الجليل عام 1985، ليحمل معه تجربة لا تقاس إلا بمن عرف طعم القيد والصمت القسري. هذه التجربة تمنحه بعدًا خاصًا في كل مقال، وتجعله يرى الصمود الفلسطيني كحقيقة حية، وليس مجرد خبر عابر.
في زنزانته يتذكر الخطيب كل التفاصيل الصغيرة: صوت المفتاح الذي يفتح الباب كل صباح، رائحة الخبز المعفن تحت الباب، صمت الزنازين، وحفيف الرسائل المشفرة عبر أنابيب الماء… كل شيء كان يشهد على إرادة لا تلين. حبات الزيتون تتحول إلى علم وطن، والرسائل تصبح نبض مقاومة، وكل زنزانة كانت مدرسة ثبات، وكل صرخة صمت شعلة مقاومة.
اليوم، وهو يتابع ما يحدث في الشرق الأوسط، يلاحظ نفس الصمود في عيون الشعوب، نفس الإرادة التي لا تنكسر في مواجهة العدوان. فالشعب الإيراني يقف بصلابة أمام أبشع العقوبات وأعتى الضغوط، ويرد على العدوان بطريقة قد تعيد رسم موازين القوة تمامًا، كما كان الأسرى الفلسطينيون يثبتون عزيمتهم رغم كل محاولات القهر. وصمود مقاومة غزة في مواجهة آلة الاحتلال يبرز قدرة الشعب الفلسطيني على الثبات والمواجهة رغم الحصار والقصف.
صمود الأسير في زنزانته المنفردة يصبح نموذجًا مصغرًا لصمود الشعوب أمام مشاريع الهيمنة، والإرادة الحرة للأسير تصمد أمام الإهمال الطبي والضغط النفسي، وتظل عزيمته صلبة، وكذلك تقف الشعوب اليوم بوجه آلة حرب متطورة مدعومة بقوى كبرى.
الخطيب جعل من قلمه صوت بداية طريق طويل نحو الحرية. الطريق لم ينتهِ بخروجه من السجن، بل تحول إلى قلم يشهد كل كلمة يكتبها اليوم عن الأسرى الفلسطينيين، امتدادًا لصرخة الصمت التي خبأها خلف جدران زنزانته. وكل مقال عن صمود إيران وردها المحتمل يعكس خبرة من عرف كيف تُصنع الإرادة الحرة في أحلك الظروف.
أمام العقوبات والحرب الظالمة، يقف الشعب الإيراني، وصمود الأسرى الفلسطينيين ومقاومة غزة مرآة حية لإرادة لا تُقهر، إرادة تصنع نفسها من صمت الزنازين، ومن برودة الحجر، ومن القهر اليومي. كل أسير يثبت أن القيد لا يكسر الإنسان، وكل شعب يقف أمام آلة حرب متطورة مدعومة بقوى كبرى يعلم أن الإرادة الحرة تصنع الفرق، وأن الصمود ليس مجرد رد فعل، بل خيار وجودي: أن يقف الإنسان والشعوب أمام العدوان بلا خوف، ويختار الحرية رغم كل المصاعب، رغم كل الحصار والعقوبات.
في زنزانات الأسرى، أرى كيف يتحول الصمت إلى رسالة لكل مظلوم في العالم: الاحتلال مهما طال، زائل، والإرادة الحرة هي الكلمة الأخيرة. كل حجرة تحمل قصة كرامة، كل جدار شاهد على ثبات. وإن صمود الأسرى الفلسطينيين ومقاومة غزة هو منهج حياة، يعلم كل شعب أن القوة الحقيقية تبدأ من الداخل، وأن الحرية تُبنى بالثبات والإرادة والتحدي.
عمران الخطيب اليوم ليس صحفيًا فقط، بل جسر حي بين تجربة شخصية وآلام أمة يعايشها بقلمه وخبرته. يواصل كتابة فصول من كتاب الصمود الفلسطيني، مرآة لصمود أوسع في الشرق الأوسط. في كل مقال يكتبه يثبت أن الصمود ليس مجرد رد فعل على الظلم، بل خيار وجودي، وأن الإرادة الحرة، سواء خلف القضبان أو في مواجهة أعتى الحروب والعقوبات، تبقى القوة التي لا تُقهر. هكذا يصبح الخطيب، بتجربته وقلمه، رمزًا حيًا على أن الانتصار الحقيقي يبدأ من الداخل، من تلك المساحة الصغيرة حيث يختار الإنسان أن يكون حرا، وأن صمود الشعوب، مثل صمود الأسرى ومقاومة غزة، هو الطريق الذي لا ينكسر، والحرية هي النهاية الحتمية لكل من يثبت ويصمد مهما كانت الحروب وأبشع العقوبات.